السجن المدني.. تراجيديا معتقلان جزائريان بنواقشط
مرت أربعة أشهر على نشر هذا التحقيق المثير في صحيفة الشروق اليومي وإلى الآن لا زال المعتقلان الجزائريان يواجهان مصيرهما المجهول ، دون أن تقدم لهما تهم واضحة ورسمية.
تاريخ المقال 11/07/2006
بعيدا هناك في الصحراء على بعد آلاف الكيلومترات يقبع الجزائريان إسماعيل موسى وعبد المجيد سيدي موسى في السجن المدني بنواقشوط، بتهم لم تثبت إلى الآن بالأدلة القاطعة، دون أن يثير ذلك حفيظة المسؤولين الجزائريين الذين قبلوا المهانة لمواطنيهم ولم يحرك أحد ساكنا إذا استثنينا المقالات التي نشرتها "الشروق" حول مأساتهم. "الشروق اليومي" وحرصا منها على سلامة وأمن وكرامة الجزائريين إنتقلت إلى نواقشط واتصلت مع كل الأطراف التي لها علاقة بقضية الجزائريين المسجونين في السجن المدني بتهمة الانتماء إلى تنظيم القاعدة، وبطريقة ما تمكنت "الشروق" من تأمين مكالمة هاتفية مع المسجونين وتحدثت إليهم لساعات، وكم كان تأثرهم كبيرا عندما علموا أن صحيفة جزائرية أوفدت مبعوثا لها إلى نواقشط من أجل التحقيق في قضيتهم.
تحقيق: رشيد ولد بوسيافة
مبعوث الشروق اليومي إلى نواقشط
"إننا جزء من الجزائر، ونحن من أبنائها البررة، فلماذا تتخلى عنا في محنتنا".. بهذه الكلمات المؤثرة بدأ إسماعيل موسى حديثه المطول معي وهو الذي كان يعتقد أن الجزائري كرامته محفوظة أينما حل، خاصة في البلدان العربية الشقيقة مثل موريتانيا.. إسماعيل موسى شاب من منطقة الأربعاء بالبليدة، وهي منطقة عرفت بالتوتر الأمني بداية التسعينيات وكانت من المناطق التي عرفت سيطرة شبه كلية للجماعات المسلحة، ولأن الأمر يتعلق باقتتال بين الجزائريين، فضل إسماعيل أن يغادر أرض الوطن، وأن لا يكون طرفا في الفتنة المتفجرة.. غادر إسماعيل الجزائر هروبا من الفتنة وتوجه إلى السعودية طالبا للعلم فنهل منه الكثير، حيث التحق بجامعة الإمام محمد بن سعود عن طريق رابطة العالم الإسلامي، وقد أرسلته الجامعة إلى فرع لها بموريتانيا بمنحة من جامعة الرياض، وواصل دراسته بنواقشوط إلى أن حصل على الليسانس في الشريعة الإسلامية، بعدها قدم ملفا إلى جامعة لبنانية وهي جامعة الجنان بطرابلس، وقبل في السنة الأولى من كلية الحقوق، غير أنه لم يلتحق بلبنان كليا، بل كان يذهب إلى هناك بشكل متقطع في فترات الامتحانات.
إستقر إسماعيل نهائيا في نواقشوط وتزوج من موريتانية وأنجب منها ولدا، غير أن هذا الزواج لم يكتب له الاستمرار وحدث الطلاق، وبعدها أعاد الزواج من الجزائرية حسنية تلامي ريحان وهي من مدينة براقي بالعاصمة، هذه الأخيرة لا زالت تكابد معه عناء المحنة وشغف الغربة، وقد أنجب منها بنتا اسمها حورية عمرها الآن ثلاث سنوات ونصف، ولا زالت الزوجة الجزائرية تحتفظ بولده الأول من مطلقته الموريتانية وتعامله كابنها.
بداية المأساة..
إشتغل إسماعيل مدرسا في الثانوية، وكان يمارس الرقية الشرعية بالموازاة مع عمله، ونظرا لكثرة الارتباطات والمواعيد مع المرضى لم تكن له اهتمامات أخرى خارج ثنائية التدريس والرقية، اللهم إلا الاستزادة من طلب العلم، لكن إسماعيل لم ينجُ بحياديته ووجد نفسه دون أن يريد أحد الأبطال الرئيسيين في عدو وهمي اسمه "تنظيم القاعدة" في موريتانيا.
وكانت بداية المأساة عندما حدد إسماعيل موعدا مع إطار جزائري يشتغل مديرا لشركة غاز من أجل الرقية لزوجته، وكان ذلك يوم 29 ماي 2005.. ركب إسماعيل في سيارة الإطار الجزائري متوجها إلى بيته، وفي الطريق التقوا صدفة مع مدير الأمن الجهوي لنواقشوط واسمه محمد إبراهيم ولد السيد، هذا الأخير أوقفهما وطلب منهما مرافقته إلى مفوضية الشرطة، وهناك تم التحقيق مع الإطار الجزائري الذي أطلق سراحه بعد عشر دقائق، ولسوء الحظ يقول إسماعيل إنه لم ينتظرني ولم يحاول مساعدتي مع أني تواعدت معه قبل أسبوع من الحادثة.
يقول إسماعيل لقد أعطيت المحققين كل الأوراق التي تثبت إقامتي القانونية في موريتانيا وذكرتهم بمكانتي في المجتمع وبعلاقاتي الطيبة جدا مع الجهات الرسمية الجزائرية وعلى رأسها السفارة الجزائرية في نواقشوط، وكل ذلك لم يجد نفعا، بعدها تحول التحقيق إلى مستوى آخر حين اقتاد مجموعة من أفراد الشرطة إسماعيل إلى بيته وقاموا بتفتيش بيته بدقة ولم يجدوا شيئا يثبت إدانته، فكل ما كان في البيت كتب وأشرطة دينية يحتاجها أي مسلم، وكان إسماعيل يحتفظ بعلم جزائري يقول إنه بحجم العلم الذي يرفرف على مبنى السفارة الجزائرية، وقد طرحوه أرضا ولم يعاملوه باحترام.
دامس وما أدراك ما دامس!!
لقد اعتقد إسماعيل أن ما حدث له ذلك اليوم مجرد إجراءات احترازية وسرعان ما يتم إطلاق سراحه بعد التأكد من هويته وعلاقاته الطيبة مع الناس، لكن الذي لم يكن إسماعيل يعلمه أن القادم أدهى وأمر، وأنه على موعد مع دخول التاريخ، بل إنه قد يتحول إلى بطل تفوق شهرته شهرة دونكيشوت ديلامانشا، كيف لا وقد قيل في الصحافة الفرنكفونية الموريتانية الكثير عن غزواته تحت لواء القاعدة، وأنه الوسيط الأساسي بين الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر والجماعات الموريتانية، وأنه كان وراء عملية المغيطي التي يشكك الموريتانيون أنفسهم في حدوثها، وأنه نفذ عمليات أخرى كثيرة ذهب ضحيتها موريتانيون، غير أنهم نسوا القول بأنه هو الذي تسبب في نفوق الدلافين على شواطئ المحيط!!.. لقد كذبوا حتى في طريقة اعتقاله فقالوا إن القبض عليه كان في الحدود مع مالي وكانت برفقته زوجة من الزنوج وأسلحة كثيرة، وهي معلومات كذبتها السفارة الجزائرية في حينها حيث اتصلت بالجريدة التي نشرت الموضوع وفندته بصفة رسمية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى الجهود المحمودة التي بذلتها السفارة الجزائرية في قضية إسماعيل، وكانت خير رفيق للزوجة في محنتها لدرجة أن القنصل الجزائري كان غالبا ما يرافقها إلى السجن لزيارة زوجها كما أن السفارة سلمت مبلغا ماليا للزوجة لتسديد إيجار البيت.
إنتهت الإجراءات الأولية، لكن قصة إسماعيل لم تنته، بل تم تحويله إلى مفوضية الشرطة الواقعة في المقاطعة السادسة التي يسكن بها، وهناك كان المكلف باستنطاقه جلاد اسمه دامس.. وما أدراك ما دامس.. قالها إسماعيل مع تنهيدة طويلة اختصرت كل الجحيم الذي عاشه بين يدي دامس.
بدأ المفوض دامس التحقيق مع إسماعيل وأول ما طلبه قصة دخوله إلى موريتانيا، كما سأله عن كل شيئ، عن عمله وعلاقاته، وكانت كل إجابات إسماعيل واضحة وصريحة وغير مترددة. وفي اليوم الثاني جاء دامس بورقة مكتوب عليها أسئلة تتعلق بأشخاص وسأله إن كانت له علاقة بهؤلاء، وبعد نفي إسماعيل تحول دامس إلى الاتهامات وقال له إنك عضو في تنظيم القاعدة وأنت الوسيط بين الجماعة السلفية للدعوة والقتال والجماعات الموريتانية.
هول المأساة يؤدي بالزوجة إلى الإجهاض
وفيما كان إسماعيل يعايش فصول محنته مع دامس والجلادين الآخرين، نزل خبر اعتقاله كالصاعقة على معارفه من الجالية الجزائرية ومن الموريتانيين، وقد هرع عدد كبير من أفراد الجالية إلى مبنى السفارة للاطمئنان على سلامته.
ولأن زوجته كانت حاملا في الأسابيع الأولى ونظرا لهول ما رأته أدى بها ذلك إلى مضاعفات صحية انتهت بإجراء عملية إجهاض، وبطرق معقدة تمكنت "الشروق اليومي" من الوصول إلى بيت إسماعيل وقابلت زوجته وأبناءه وتحدثت إليهم مطولا، وسنعود إلى تفاصيل ذلك بعد سرد ما حدث مع إسماعيل من فصول مروعة من التعذ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |